الشيخ محمد اليعقوبي

394

خطاب المرحلة

لندرة من يتجنب هذا الخبيث ، فكيف بمن عف عن كل ما يشين ، في حين كان الآخرون عاكفين على عبادة الأوثان ويمارسون الرذيلة حتى من كانت تعرف بأنهن سيدات قريش . لقد قصّر المؤرخون والكتّاب والخطباء في حق هذه السيدة الجليلة ولم يبيّنوا فضائلها ومآثرها ، وبالغ الكثير منهم فحرموها من أقدس علاقة بين الأم ووليدها حيث قالوا أنها دفعت وليدها إلى حليمة السعدية لترضعه وهي موجودة لأنها توفيت بحسب زعمهم وعمر النبي ( صلى الله عليه وآله وسلّم ) ست سنوات . وهذا تزييف للتاريخ فإن آمنة أرضعت ولدها وأشفقت عليه وتولّت رعايته لكنها لما ماتت وعمره بضعة أشهر دفعه جده عبد المطلب إلى حليمة لترضعه ، وأنت ترى أن موسى بن عمران ( عليه السلام ) ولد في أسوء الظروف حيث كان فرعون يقتِّل أولاد بني إسرائيل ويستحيي نساءهم ، وأوحى الله تبارك وتعالى إلى أمه أن تجعله في تابوت وتلقيه في اليم ، ومع ذلك لم يحرم أمّه من هذه الرابطة المقدسة قال تعالى : ( وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ ناصِحُونَ . فَرَدَدْناهُ إِلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ) ( القصص : 12 - 13 ) . وقد ذكروا وجوهاً لتبرير هذه الأكذوبة فقالوا لجفاف اللبن عند أمه آمنة مع أن العكس هو الصحيح فإن حليمة السعدية تروي أن صدرها كان جافاً من اللبن فلم تستطع إرضاع ولدها حتى ألقمت رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلّم ) الثدي فدرّ لبنها ، وقالوا لكي يتعلم الصغير آداب العربية وخصال العرب ، وهو حط من منزلة رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلّم ) الذي يقول ( أدبني ربي فأحسن تأديبي ) وقال ( أنا أفصح من نطق بالضاد ) فمن ذا الذي يتعلم عنده رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلّم ) شيئاً ؟